محمد متولي الشعراوي
1190
تفسير الشعراوي
لأن الذين يحبون أن يستثمروا المال لا ينظرون إلا إلى النفعية المالية ، فهم يديرون المشروعات التي تحقق لهم تلك النفعية . وهناك رجل اقتصاد آخر هو « كينز » الذي يتزعم فكرة « الاقتصاد الحر » في العالم يقول قولته المشهورة : إن المال لا يؤدى وظيفته في الحياة إلا إذا انخفضت الفائدة إلى درجة الصفر . ومعنى ذلك أنه لا ربا . وإذا ما نظرنا إلى عملية عقد الربا في ذاتها وجدناها عقدا باطلا ؛ لأن كل عقد من العقود إنما يوجد لحماية الطرفين المتعاقدين ، وعقد الربا لا يحمى إلا الطرف الدائن فقط ، وهناك أمر خلقي آخر وهو أن الإنسان لا يعطى ربا إلا إذا كان عنده فائض زائد على حاجته . ولا يأخذ إنسان من المرابى إلا إذا كان محتاجا . فانظروا إلى النكسة الخلقية في الكون . إن المعدم الفقير الذي لا يجد ما يسد جوعه وحاجته يضطر إلى الاستدانة ، وهذا الفقير المعدم هو الذي يتكفل بأن يعطى الأصل والزائد إلى الغنى غير المحتاج . إنها نكسة خلقية توجد في المجتمع ضغنا ، وتوجد في المجتمع حقدا ، وتقضى على بقية المعروف وقيمته بين الناس ، وتنعدم المودة في المجتمع . فإذا ما رأى إنسان فقير إنسانا غنيا عنده المال ، ويشترط الغنى على الفقير المعدم أن يعطيه ما يأخذه وأن يزيد عليه ، فعلى أية حال ستكون مشاعر وأحاسيس الفقير ؟ كان يكفى الغنى أن يعطى الفقير ، وأن يسترد الغنى بعد ذلك ما أخذه الفقير ، ولكن الغنى المرابى يطلب من الفقير أن يسدد ما أخذه ويزيد عليه . وكانوا يتعللون ويقولون : إن النص القرآني إنما يتكلم عن الربا في الأضعاف المضاعفة ، فإذا ما منعنا القيد في الأضعاف المضاعفة لا يكون حراما ! ! أي أنهم يريدون تبرير إعطاء الفقير مالا ، وأن يرده أضعافا فقط لا أضعافا مضاعفة ؛ حتى لا يصير ذلك الاسترداد بالزيادة حراما . ولهؤلاء نقول : إن الذين يقولون ذلك يحاولون أن يتلصصوا على النص القرآني ، وكأن اللّه قد ترك النص ليتلصصوا عليه ويسرقوا منه ما شاءوا دون أن يضع في النص ما يحول دون هذا التلصص ، ولو فطنوا إلى أن اللّه يقول في آخر الأمر :